السعودية لا تدافع عن نفسها فقط
بقلم: عاطف القوس
لم يكن مفهوم الأمن السعودي، منذ تأسيس المملكة العربية السعودية، مقتصرًا على حماية الحدود الجغرافية أو الدفاع عن المصالح الوطنية المباشرة، بل ارتبط على مدار عقود بدور إقليمي ودولي أوسع، فرضته مكانة المملكة السياسية والاقتصادية والدينية، وموقعها الاستراتيجي في العالمين العربي والإسلامي.
فالسعودية لم تكن يومًا بعيدة عن القضايا العربية الكبرى، بل حضرت في ملفات سياسية وإنسانية واقتصادية متعددة، وقدمت الدعم المالي والإغاثي، وقادت مبادرات دبلوماسية، وسعت إلى احتواء أزمات إقليمية معقدة. وفي محطات تاريخية عديدة، لم تقتصر مواقفها على التصريحات، بل امتدت إلى قرارات تحملت المملكة تبعاتها السياسية والاقتصادية.
ومن هنا، فإن الحديث عن أن هناك دولًا أو أطرافًا ستتولى «الدفاع عن السعودية» يحتاج إلى قراءة أكثر عمقًا للتاريخ والواقع. فالمملكة تمتلك مؤسساتها وقدراتها الدفاعية وأدواتها السياسية والاقتصادية، كما أن لها سجلًا طويلًا في مساندة قضايا الآخرين، حتى عندما لم تكن تلك القضايا تمس أمنها المباشر.
القضية الفلسطينية.. موقف سعودي ممتد عبر العقود
تأتي القضية الفلسطينية في مقدمة الملفات التي تكشف طبيعة الدور السعودي في المنطقة. فمنذ المراحل الأولى للصراع العربي الإسرائيلي، حضرت فلسطين في المواقف السياسية السعودية، واستمر دعم المملكة لحقوق الشعب الفلسطيني عبر عهود مختلفة، سواء من خلال التحركات الدبلوماسية أو المساعدات المالية والإنسانية أو المبادرات السياسية.
وخلال عهد الملك فيصل بن عبدالعزيز، اكتسبت القضية الفلسطينية بعدًا عربيًا وإسلاميًا أوسع، خاصة بعد حريق المسجد الأقصى عام 1969، وما أعقبه من تحركات أسهمت في تعزيز التضامن الإسلامي وتأسيس إطار للتنسيق بين الدول الإسلامية.
ولم يتوقف الدعم السعودي عند حدود المواقف التاريخية، بل واصلت المملكة التأكيد على ضرورة التوصل إلى تسوية عادلة تضمن حقوق الفلسطينيين وإقامة دولتهم المستقلة.
وفي السنوات الأخيرة، كثفت السعودية تحركاتها الدبلوماسية لدعم حل الدولتين، وأكدت وزارة الخارجية السعودية في عام 2025 تمسك المملكة بموقفها الرافض لإقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل دون قيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية.
ويعكس هذا الموقف أن السياسة السعودية لا تنظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها ملفًا عابرًا، بل قضية ترتبط بالاستقرار الإقليمي والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وأن المواقف المبدئية قد تستمر حتى عندما تصبح الظروف السياسية أكثر تعقيدًا.
الملك فيصل وحرب أكتوبر.. عندما تحول النفط إلى أداة ضغط سياسي
يمثل عام 1973 واحدة من أبرز المحطات في تاريخ الدور السعودي تجاه القضايا العربية، إذ شهدت حرب أكتوبر تحركًا عربيًا واسعًا، لم يقتصر على المواجهة العسكرية، بل امتد إلى استخدام الأدوات الاقتصادية والسياسية.
وفي ذلك الوقت، شاركت السعودية ضمن الدول العربية المنتجة للنفط في قرارات خفض الإنتاج وفرض الحظر النفطي على الولايات المتحدة ودول أخرى دعمت إسرائيل خلال الحرب.
وكان الملك فيصل بن عبدالعزيز أحد أبرز رموز هذا التوجه، إذ عكس الموقف السعودي إدراكًا مبكرًا لأهمية توظيف الموارد الاقتصادية في خدمة الأهداف السياسية، والتأكيد على أن دعم القضايا العربية لا يقتصر على إرسال القوات أو خوض المواجهات العسكرية.
لقد أثبتت تلك المرحلة أن القوة ليست عسكرية فقط؛ فقد تكون اقتصادية أو دبلوماسية أو سياسية، وقد يكون القرار المتخذ في أسواق الطاقة مؤثرًا في حسابات دول كبرى.
ومن هنا، فإن استحضار تجربة الملك فيصل لا يعني الاكتفاء بتمجيد الماضي، بل الاستفادة من درس أساسي، وهو أن الدول القادرة على توظيف أدواتها المتعددة تستطيع الدفاع عن مصالحها ومساندة حلفائها في الوقت نفسه.
لبنان واتفاق الطائف.. دور سعودي في دعم الاستقرار
لم يكن لبنان بعيدًا عن التحركات السعودية الرامية إلى دعم الاستقرار العربي. فقد شاركت المملكة في جهود التسوية التي استهدفت إنهاء الحرب الأهلية اللبنانية، وكانت استضافة الأطراف اللبنانية في مدينة الطائف عام 1989 محطة مهمة في المسار الذي أفضى إلى اتفاق الطائف.
وشكل الاتفاق إطارًا سياسيًا لإنهاء الحرب الأهلية وإعادة تنظيم الحياة السياسية اللبنانية، رغم أن التحديات الداخلية والإقليمية ظلت حاضرة في السنوات التالية.
واستمر الموقف السعودي في التأكيد على أهمية الحفاظ على سيادة لبنان واستقلاله وسلامة أراضيه، ودعم مؤسساته الشرعية، وتجنب الانزلاق إلى صراعات تهدد استقراره.
وتكشف هذه التجربة عن جانب من السياسة السعودية يقوم على أن استقرار الدول العربية المحيطة يمثل عنصرًا مهمًا في استقرار المنطقة بأكملها، وأن معالجة الأزمات تحتاج إلى تسويات سياسية وتفاهمات إقليمية، وليس إلى المواجهة وحدها.
السودان.. مبادرات سياسية ومساعدات إنسانية في مواجهة الحرب
وبالنسبة إلى السودان، تكتسب هذه القضية أهمية خاصة في ظل الحرب التي ألقت بظلالها الثقيلة على حياة ملايين السودانيين، وأدت إلى أزمة إنسانية واسعة، ونزوح أعداد كبيرة من السكان، وتضرر مؤسسات الدولة والبنية الأساسية.
ومنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، استضافت السعودية، بالشراكة مع الولايات المتحدة، محادثات جدة بين ممثلي القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. وركزت الجهود على حماية المدنيين، والالتزام بالقانون الدولي الإنساني، وتسهيل وصول المساعدات، والسعي إلى وقف القتال.
ورغم تعثر الجهود التفاوضية في مراحل مختلفة، فإن مسار جدة ظل أحد المسارات الدبلوماسية المهمة المرتبطة بالأزمة السودانية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تحرك دولي وإقليمي أكثر فاعلية لوقف الحرب.
كما قدمت المملكة مساعدات إنسانية وإغاثية للسودانيين المتضررين، عبر قنوات متعددة، في محاولة للتخفيف من آثار الأزمة وتلبية الاحتياجات الأساسية للمتضررين.
إن التعامل السعودي مع الأزمة السودانية يؤكد أهمية الجمع بين الوساطة السياسية والعمل الإنساني، مع ضرورة أن تفضي الجهود إلى وقف مستدام لإطلاق النار، وحماية المدنيين، والحفاظ على وحدة السودان ومؤسساته، وتهيئة الظروف أمام حل سياسي يشارك فيه السودانيون أنفسهم.
ومن هذا المنطلق، فإن السودان ليس مجرد ملف خارجي في الحسابات الإقليمية، بل أزمة إنسانية وسياسية تحتاج إلى تعاون حقيقي بين الدول والمنظمات الدولية، بعيدًا عن المزايدات الإعلامية أو توظيف معاناة الشعوب لتحقيق مكاسب سياسية.
اليمن.. الأمن السعودي جزء من أمن المنطقة
يمثل الملف اليمني أحد أكثر الملفات تعقيدًا في المنطقة، إذ تداخلت فيه الاعتبارات الأمنية والسياسية والإنسانية، وواجهت السعودية خلاله تهديدات صاروخية وهجمات بطائرات مسيرة استهدفت أراضيها ومنشآتها.
ومع ذلك، لم يقتصر الخطاب السعودي على الجوانب الأمنية، بل ارتبطت المواقف الرسمية كذلك بالدعوة إلى تسوية سياسية تنهي الصراع، وتحافظ على أمن اليمن واستقراره، وتحد من التداعيات التي طالت الشعب اليمني ودول المنطقة.
وتعكس هذه المعادلة صعوبة تحقيق الأمن المستدام في ظل استمرار الحروب، كما تؤكد أن الحلول السياسية تظل ضرورية لتقليل المخاطر وإعادة بناء الثقة وتهيئة الظروف أمام الاستقرار.
فالدفاع عن الأمن الوطني حق أصيل لكل دولة، لكن نجاح هذا الدفاع على المدى الطويل يرتبط أيضًا بوجود بيئة إقليمية أكثر استقرارًا، وبحلول تعالج جذور الأزمات بدلًا من الاكتفاء باحتواء نتائجها.
المساعدات الإنسانية.. حضور سعودي يتجاوز حدود المنطقة
إلى جانب الملفات السياسية، تمتد المساعدات السعودية إلى دول وشعوب تواجه الحروب والكوارث والأزمات الإنسانية. وقد برز هذا الدور عبر برامج الإغاثة والمساعدات الغذائية والطبية، ودعم المتضررين في عدد من مناطق العالم.
ويؤدي مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية دورًا مهمًا في تنفيذ برامج إغاثية وإنسانية بالتعاون مع الجهات والمنظمات ذات الصلة، بما يشمل دعم الفئات الأكثر احتياجًا والاستجابة للأزمات الطارئة.
ولا ينبغي النظر إلى هذه الجهود باعتبارها مجرد أرقام أو بيانات رسمية، بل بوصفها جزءًا من أدوات السياسة الخارجية والعمل الإنساني، مع أهمية تقييم أثرها الفعلي على المستفيدين وضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها.
إن الدول الكبرى لا تُقاس قوتها بقدرتها على حماية حدودها فحسب، بل أيضًا بقدرتها على التعامل مع الأزمات المحيطة بها، وتقديم الدعم عندما تتطلب الظروف ذلك، وبناء شراكات تسهم في الحد من الصراعات وتعزيز الاستقرار.
السعودية اليوم.. قوة سياسية واقتصادية وأمنية متنامية
تختلف السعودية اليوم عن المملكة التي عرفتها المنطقة في سبعينيات القرن الماضي. فقد توسع حضورها الاقتصادي والاستثماري، وتعززت علاقاتها الدولية، وأصبحت مشروعات التحول الاقتصادي ضمن رؤية السعودية 2030 جزءًا رئيسيًا من توجهاتها المستقبلية.
وفي ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، تسعى المملكة إلى تنويع اقتصادها، وتعزيز مكانتها الاستثمارية، وتطوير قدراتها، وتوسيع شراكاتها مع القوى الدولية والإقليمية.
وتمنح هذه التحولات السعودية أدوات متعددة للتعامل مع التحديات، تشمل الاقتصاد والاستثمار والطاقة والدبلوماسية والتعاون الأمني، إلى جانب دورها الديني والإقليمي.
ولا يعني ذلك أن المملكة بمنأى عن الضغوط أو التحديات، فالدول ذات النفوذ تواجه بطبيعة الحال مصالح متعارضة ومواقف دولية معقدة. لكن وجود هذه التحديات لا يبرر تصوير السعودية باعتبارها دولة عاجزة عن حماية نفسها أو أنها تحتاج بالضرورة إلى من يمنحها القوة أو الشرعية.
وفي المقابل، فإن التعاون بين الدول يظل ضرورة في عالم مترابط، ولا ينتقص من مكانة أي دولة. فالتعاون المتكافئ يختلف تمامًا عن تصوير دولة ما باعتبارها عاجزة عن إدارة شؤونها أو الدفاع عن مصالحها.
لماذا لا ينبغي تحويل التضامن مع السعودية إلى منّة؟
هنا تكمن الفكرة الأساسية التي ينبغي التوقف أمامها: عندما تعلن دولة أو جهة استعدادها للتضامن مع السعودية، فإن ذلك قد يكون موقفًا إيجابيًا يعكس تقديرًا للعلاقات والمصالح المشتركة. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التضامن إلى خطاب يوحي بأن المملكة عاجزة عن حماية نفسها، أو أن مكانتها مرتبطة بوجود طرف آخر يتولى الدفاع عنها.
فالسعودية دولة ذات سيادة، ولديها مؤسسات وقدرات وأدوات متعددة لحماية أمنها ومصالحها. كما أن تاريخها يشهد على مواقف مساندة لقضايا عربية وإسلامية، وعلى أدوار سياسية وإنسانية واقتصادية امتدت إلى ما وراء حدودها.
ولذلك، لا ينبغي استخدام زيارات المسؤولين أو اللقاءات السياسية أو الاتفاقيات الثنائية لبناء روايات غير مثبتة عن طلب النجدة أو الاستعانة بدولة أخرى لإنقاذ المملكة. فالعلاقات الدولية تقوم على المصالح والتعاون والتفاهمات، ولا يمكن اختزالها في عبارات إعلامية أو استنتاجات لا تستند إلى معلومات موثوقة.
ومن المهم أيضًا التمييز بين الاعتزاز بتاريخ المملكة وبين المبالغة في تصويرها قوة لا تتأثر بأي تحديات. فالقوة الحقيقية لا تعني غياب المخاطر، بل القدرة على إدارتها، وتقدير المصالح، وبناء التحالفات، واتخاذ القرارات المناسبة في الظروف الصعبة.
الخلاصة.. السعودية تعرف كيف تحمي نفسها وكيف تقف مع الآخرين
إن استعراض محطات فلسطين وحرب أكتوبر ولبنان والسودان واليمن والمساعدات الإنسانية يكشف اتساع الملفات التي حضرت فيها السعودية سياسيًا واقتصاديًا وإنسانيًا على مدار عقود.
وقد اختلفت طبيعة هذا الحضور من مرحلة إلى أخرى، كما تفاوتت نتائج المبادرات والجهود وفقًا لظروف كل أزمة، لكن الثابت أن المملكة استخدمت أدوات متعددة في تعاملها مع قضايا المنطقة، من الدبلوماسية والوساطة إلى الدعم الاقتصادي والإغاثي.
ومن هنا، فإن اختزال دور السعودية في صورة دولة تنتظر من يدافع عنها يتجاهل جانبًا مهمًا من تاريخها ومكانتها. وفي الوقت نفسه، فإن الاعتراف بقدرات المملكة لا يتعارض مع أهمية التضامن والتعاون بين الدول العربية، بل يعزز مفهوم الشراكة القائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
فالقوة ليست في إطلاق الشعارات، ولا في الادعاء بأن دولة تستطيع الاستغناء عن الجميع، بل في امتلاك القدرة على حماية المصالح الوطنية، والتعامل مع التحديات، واختيار الشركاء، والوقوف إلى جانب الشعوب التي تواجه الأزمات.
السعودية لا تدافع عن نفسها فقط؛ بل تمتلك تاريخًا من الحضور السياسي والاقتصادي والإنساني في قضايا المنطقة. وهي، كما يحق لها أن تحمي أمنها ومصالحها، قادرة أيضًا على مواصلة التعاون مع الآخرين ومساندتهم وفقًا لمصالحها ومبادئها.
