واشنطن بوست: رحيل نتنياهو لا يغير شيئ بشان الأوضاع في الضفة الغربية
في ظل تصاعد التوترات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، تثير الانتخابات الإسرائيلية تساؤلات متزايدة بشأن مستقبل السياسات التي انتهجتها حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ومدى قدرة أي حكومة جديدة على تغيير الواقع في الضفة الغربية. وفي هذا السياق، سلطت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية الضوء على احتمالات انتهاء المسيرة السياسية الطويلة لنتنياهو، محذرة من أن إرثه الاستيطاني قد يستمر حتى في حال وصول خصومه السياسيين إلى السلطة، في ظل اتساع نفوذ المستوطنين وتراجع فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
واشنطن بوست: رحيل نتنياهو لا يعني نهاية سياساته في الضفة الغربية
ذكرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، في تقرير نشرته الاثنين 26 أكتوبر 2026، أن الانتخابات الإسرائيلية قد تمثل نقطة تحول في المسيرة السياسية الطويلة لبنيامين نتنياهو، لكنها لا تعني بالضرورة حدوث تغيير جذري في السياسات الإسرائيلية تجاه الضفة الغربية المحتلة.
وأوضحت الصحيفة أن إرث نتنياهو، الذي يشمل مستقبل بنيامين نتنياهو السياسي، الانتخابات الإسرائيلية 2026، الاستيطان في الضفة الغربية، تهجير الفلسطينيين، عنف المستوطنين، حل الدولتين، الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. التوسع الاستيطاني وتهجير الفلسطينيين وتعزيز نفوذ المستوطنين، مرشح للاستمرار حتى في حال تولي خصومه السياسيين الحكم، رغم تعهد بعضهم باتخاذ إجراءات للحد من عنف المستوطنين ووقف الأنشطة الاستيطانية الأكثر إثارة للجدل.
ويأتي ذلك في ظل انقسام المجتمع الإسرائيلي بشأن شخصية نتنياهو وأسلوب قيادته، مقابل استمرار تأييد قطاعات واسعة من الإسرائيليين لتوسيع المستوطنات ومعارضة إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
وأضاف التقرير أن عددًا من خصوم نتنياهو تعهدوا بملاحقة المستوطنين المتورطين في أعمال العنف وإزالة بعض البؤر الاستيطانية المثيرة للجدل، إلا أن مواقفهم من حل الدولتين لا تزال تشكل عقبة أمام إحداث تحول سياسي شامل، رغم الدعم الدولي الواسع لهذا الحل باعتباره أحد أبرز المسارات المطروحة لتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
تحذيرات من المبالغة في توقعات التغيير السياسي
وفي تعليقها على احتمالات التغيير بعد الانتخابات الإسرائيلية، حذرت ميراڤ زونزهاين، كبيرة المحللين المختصين بالشأن الإسرائيلي في مجموعة الأزمات الدولية، من المبالغة في التوقعات بشأن قدرة الحكومة المقبلة على تغيير السياسات القائمة.
وأشارت إلى أن أفضل ما يمكن أن تحققه حكومة جديدة قد يتمثل في إبطاء وتيرة التصعيد في السياسات الإسرائيلية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وكذلك داخل إسرائيل، بعد أربع سنوات شهدت تصاعدًا في حدة هذه السياسات، وفقًا لما أورده التقرير.
ويعكس هذا التقييم حجم التحديات التي قد تواجه أي حكومة جديدة، خصوصًا في ظل ترسخ نفوذ التيارات المؤيدة للاستيطان، واتساع دور المستوطنين في فرض واقع جديد على الأرض، بما يزيد من صعوبة التراجع عن السياسات التي ترسخت خلال سنوات حكم نتنياهو.
المستوطنون المسلحون وتزايد الاعتداءات على الفلسطينيين
ومن أبرز التداعيات التي تناولها التقرير تصاعد نفوذ مجموعات من المستوطنين المسلحين، الذين باتوا يتحدون القوات الإسرائيلية في بعض الحالات، بالتزامن مع تنفيذ اعتداءات على التجمعات الفلسطينية والاستيلاء على الأراضي وإجبار السكان على مغادرة منازلهم.
ووفقًا للصحيفة، فإن سنوات حكم نتنياهو، التي امتدت لنحو 17 عامًا بصورة شبه متواصلة، شهدت تحولات ساهمت في تعزيز نفوذ المستوطنين، ووسعت قدرتهم على التأثير في الأوضاع الأمنية والميدانية داخل الضفة الغربية.
كما أشار التقرير إلى أن هجوم حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، انطلاقًا من قطاع غزة، ساهم في تسريع هذه التطورات، وسط توقعات بأن تواجه أي حكومة جديدة صعوبات كبيرة في احتواء نفوذ المستوطنين، حتى إذا قررت نشر مزيد من القوات أو تشديد الإجراءات الأمنية.
ولفتت الصحيفة إلى أن حكومة نتنياهو وزعت آلاف قطع السلاح على المستوطنين، في وقت يتمتع فيه بعضهم بعلاقات ونفوذ داخل مؤسسات الجيش والأجهزة الأمنية الإسرائيلية.
وأضاف التقرير أن مجموعات من المستوطنين المتطرفين باتت تمارس أدوارًا تتجاوز النشاط الاستيطاني التقليدي، من خلال تنفيذ عمليات اعتقال والاعتداء على فلسطينيين، فضلًا عن استدعاء القوات الأمنية والمشاركة في طرد عائلات فلسطينية من منازلها.
عائلة طوباسي نموذج لمعاناة الفلسطينيين في الضفة الغربية
واستشهد التقرير بقضية عائلة طوباسي الفلسطينية، التي اضطرت، بحسب الصحيفة، إلى مغادرة منزلها في يوليو الماضي، بعد تعرضها لحصار استمر 19 يومًا على يد مستوطنين، داخل منزلها الواقع على تلة في قرية جلعود بالضفة الغربية.
وتسلط هذه الواقعة الضوء على الظروف التي تواجهها بعض العائلات الفلسطينية في المناطق القريبة من البؤر الاستيطانية، حيث تتزايد الضغوط المرتبطة بالاعتداءات والقيود على الحركة والوصول إلى الأراضي ومصادر المياه.
وتشير هذه التطورات إلى أن قضية الاستيطان لم تعد مقتصرة على إقامة وحدات سكنية جديدة، بل باتت ترتبط أيضًا بالتغيرات الديموغرافية والجغرافية التي تشهدها الضفة الغربية، وبقدرة الفلسطينيين على البقاء في مناطقهم والحفاظ على أراضيهم ومصادر رزقهم.
أكثر من 250 بؤرة استيطانية تعزز السيطرة على أراضي الضفة الغربية
وفي سياق متصل، ذكر التقرير أن المستوطنين أقاموا أكثر من 250 بؤرة استيطانية بدائية في أنحاء الضفة الغربية خلال عهد نتنياهو، مع تركيز ملحوظ على المناطق التي تقطنها التجمعات الفلسطينية الرعوية منذ عقود.
وتتيح هذه البؤر للمستوطنين توسيع نطاق وجودهم في المناطق الريفية، وسط اتهامات باستخدام الاعتداءات على الرعاة والسيطرة على مصادر المياه والمراعي للضغط على الفلسطينيين ودفعهم إلى مغادرة أراضيهم.
وتزداد خطورة هذه التطورات في ظل استمرار وجود القوات الإسرائيلية في المناطق التي تشهد توسعًا استيطانيًا، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن سبل حماية التجمعات الفلسطينية ومنع الاستيلاء على الأراضي.
ونقل التقرير عن درور إتكيس، الباحث في منظمة إسرائيلية مناهضة للاستيطان، قوله إن البؤر الاستيطانية أتاحت للمستوطنين فرض سيطرة فعلية على نحو خُمس مساحة الضفة الغربية.
ويعكس هذا التقدير، بحسب ما أورده التقرير، حجم التغيرات الميدانية التي شهدتها الضفة الغربية، ومدى صعوبة التعامل مع آثارها في حال حدوث تغيير في القيادة السياسية الإسرائيلية.
مستقبل الضفة الغربية بعد الانتخابات الإسرائيلية
وتخلص قراءة «واشنطن بوست» إلى أن التحدي أمام أي حكومة إسرائيلية مقبلة لن يقتصر على تغيير السياسات المعلنة، بل سيمتد إلى التعامل مع واقع استيطاني توسع على مدى سنوات، وتعززت خلاله مكانة المستوطنين وقدرتهم على التأثير في الأوضاع الميدانية.
وفي ظل استمرار معارضة قطاعات واسعة من الإسرائيليين لإقامة دولة فلسطينية، تبدو فرص تحقيق تحول سياسي شامل محدودة، حتى مع احتمال انتهاء حقبة نتنياهو السياسية.
وبينما تحظى فكرة حل الدولتين بدعم دولي باعتبارها إطارًا لتسوية الصراع، يظل مستقبلها مرتبطًا بالتطورات على الأرض، ومدى القدرة على وقف التوسع الاستيطاني واحتواء العنف وحماية التجمعات الفلسطينية.
وبذلك، فإن نتائج الانتخابات الإسرائيلية، مهما كانت، لن تكون وحدها كافية لتحديد مستقبل الضفة الغربية، إذ ستظل السياسات الاستيطانية وتوازنات القوى داخل إسرائيل من العوامل الأساسية التي ستؤثر في فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.




