حركات بسيطة خلال اليوم تحمي القلب وتقلل خطر الوفاة و انتا قاعد مكانك!!

تقرير/ عليا منتصر
لا تقتصر فوائد النشاط البدني على ممارسة التمارين الرياضية داخل صالات الألعاب أو تخصيص أوقات محددة للمشي والجري، إذ كشفت دراسات علمية أن الحركات اليومية البسيطة، التي يؤديها الإنسان بصورة عفوية خلال العمل أو المنزل أو حتى أثناء الاجتماعات، يمكن أن تسهم في تعزيز صحة القلب والأوعية الدموية، وتقليل مخاطر الإصابة بالأمراض المزمنة والوفاة المبكرة.
وقد تبدو هذه الحركات بسيطة وغير مؤثرة، لكنها قد تمثل وسيلة فعالة للتغلب على نمط الحياة الخامل، خاصة في ظل طبيعة الحياة العصرية التي تفرض على كثير من الأشخاص قضاء ساعات طويلة في الجلوس أمام شاشات الكمبيوتر، أو داخل السيارات، أو أمام التلفزيون.
ما المقصود بالنشاط البدني العرضي؟
يُعرف النشاط البدني العرضي بأنه مجموعة الحركات والأنشطة اليومية التي يؤديها الإنسان خارج إطار التمارين الرياضية المنظمة، ويُطلق عليه علمياً مصطلح «التوليد الحراري الناجم عن النشاط غير الرياضي».
ويوضح أنانثا نارايانان، الباحث بجامعة أوكلاند للتكنولوجيا في نيوزيلندا، أن هذا المصطلح يشير إلى الطاقة التي يستهلكها الجسم نتيجة أي حركة لا ترتبط بالنوم أو تناول الطعام أو ممارسة التمارين الرياضية المتعمدة.
ولا يشترط هذا النوع من النشاط بذل مجهود بدني كبير، إذ يمكن أن يتضمن تحريك الساقين أثناء الجلوس، أو تغيير وضعية الجسم، أو تدوير الكتفين، أو ثني القدمين، فضلاً عن غسل الأطباق وترتيب المنزل وغيرها من الأعمال اليومية.
تحريك الساقين أثناء الجلوس.. عادة بسيطة بفوائد صحية
من أبرز أشكال النشاط البدني العرضي تحريك الساقين بصورة متكررة أثناء الجلوس، وهي عادة ينظر إليها البعض باعتبارها علامة على التوتر أو الملل أو ضعف التركيز، لكنها قد تحمل فوائد صحية لا ينبغي تجاهلها.
ويشير نارايانان إلى أن عضلات الساقين تصبح أقل نشاطاً خلال فترات الجلوس الطويلة، ما يقلل الانقباضات العضلية المنتظمة التي تساعد الجسم على التخلص من الغلوكوز الموجود في الدم، فضلاً عن دورها في دعم الدورة الدموية.
وأظهرت دراسات أن التململ الحركي وتحريك الساقين يسهمان في زيادة نشاط العضلات واستهلاك سعرات حرارية إضافية مقارنة بالجلوس دون حركة.
كما تشير أبحاث سابقة إلى أن تحريك الساقين باستمرار قد يساعد في الحفاظ على وظائف الأوعية الدموية وتحسين تنظيم مستويات السكر في الدم، بينما أظهرت إحدى الدراسات الصغيرة أن هذه الحركة يمكن أن تزيد استهلاك الطاقة بنحو 16% مقارنة بالجلوس في وضع ثابت.
أربع دقائق من الحركة يومياً قد تحدث فرقاً
لا تتطلب الاستفادة من النشاط البدني العرضي قضاء ساعات طويلة في ممارسة الرياضة، فقد أظهرت دراسة واسعة النطاق أُجريت عام 2024 أن دفعات قصيرة ومتقطعة من النشاط البدني، لا تتجاوز مدة الواحدة منها دقيقة واحدة، وبإجمالي أربع دقائق يومياً، قد تسهم في تقليل المخاطر الصحية المرتبطة بالخمول.
وشملت الدراسة أكثر من 22 ألف مشارك بريطاني، ارتدوا أجهزة لتتبع الحركة وقياس مستويات نشاطهم البدني على مدار اليوم، مع التركيز على الأشخاص الذين لا يمارسون التمارين الرياضية بانتظام.
واستمرت متابعة المشاركين لمدة ثماني سنوات، وخلص الباحثون إلى أن ارتفاع مستويات النشاط البدني العرضي ارتبط بتراجع المخاطر الصحية الناجمة عن الجلوس لفترات طويلة، بما في ذلك الأشخاص الذين يقضون أكثر من 11 ساعة يومياً في وضعية الجلوس.
كما أشارت نتائج أبحاث المتابعة إلى وجود ارتباط بين زيادة الحركة اليومية وانخفاض خطر الوفاة المبكرة.
ومن جانبه، أوضح نيكولاس كويميل، الباحث الرئيسي بجامعة موناش الأسترالية والمشرف على الدراسة، أن هناك العديد من الأنشطة التي يمكن إدراجها بسهولة ضمن الروتين اليومي، من بينها صعود السلالم، وحمل أكياس التسوق، واللعب مع الأطفال.
وأضاف أن استغلال الفرص المتاحة لزيادة الحركة خلال اليوم، مع رفع مستوى شدة بعض الأنشطة بصورة مناسبة، يمكن أن يساعد على تعزيز الفوائد الصحية.
كيف تزيد نشاطك البدني دون تخصيص وقت للرياضة؟
يمكن إدخال المزيد من الحركة إلى الحياة اليومية من خلال مجموعة من التغييرات البسيطة التي لا تتطلب مجهوداً كبيراً أو تغييراً جذرياً في نمط المعيشة.
ومن أبرز هذه الوسائل:
– المشي بوتيرة أسرع قليلاً عند التوجه إلى العمل أو المتاجر.
– استخدام السلالم بدلاً من المصاعد متى كان ذلك مناسباً.
– إيقاف السيارة في مكان أبعد نسبياً عن وجهتك لزيادة مسافة المشي.
– استخدام سلة التسوق بدلاً من العربة عند شراء كميات محدودة من المنتجات.
– القيام بالأعمال المنزلية، مثل الطهي والتنظيف وترتيب الغرف.
– المشي لفترات قصيرة خلال فترات الراحة في العمل.
– الحركة أثناء إجراء المكالمات الهاتفية بدلاً من البقاء جالساً.
– اللعب مع الأطفال والمشاركة في الأنشطة الترفيهية والحركية.
وتساعد هذه الأنشطة على تقليل فترات الخمول وزيادة حركة العضلات على مدار اليوم، دون الحاجة إلى الالتزام ببرنامج رياضي معقد.
دمج الحركة في العادات اليومية.. استراتيجية سهلة وفعالة
ترى أماندا دالي، أستاذة الطب السلوكي بجامعة لوبورو في المملكة المتحدة، أن إحدى أفضل الطرق لزيادة النشاط البدني تتمثل في دمج الحركة ضمن الأنشطة التي يمارسها الإنسان بالفعل، بدلاً من محاولة تخصيص أوقات إضافية للتمارين الرياضية.
وتقوم هذه الاستراتيجية على إضافة حركات بسيطة إلى العادات اليومية المعتادة، مثل رفع الكعبين والوقوف على أطراف أصابع القدم أثناء تنظيف الأسنان، أو تحريك الساقين أسفل المكتب، أو المشي خلال إجراء المكالمات الهاتفية.
كما يمكن الاستفادة من بعض المهام اليومية لزيادة الحركة، ومن بينها الذهاب سيراً على الأقدام لاستلام الطرود من أماكن الاستلام القريبة، بدلاً من الاعتماد دائماً على توصيلها إلى المنزل.
وتشير دالي إلى أهمية ترسيخ هذه العادات داخل بيئة العمل أيضاً، لافتة إلى دراسة أجرتها مع مجموعة من الباحثين، جرى خلالها توفير مكاتب تسمح بالعمل في وضعية الوقوف للأطباء، وهو ما ساعد على تقليل الوقت الذي يقضونه في الجلوس بنحو ساعتين يومياً.
ولم تقتصر فوائد هذه التجربة على تقليل فترات الجلوس، بل ساهمت أيضاً في زيادة اهتمام الأطباء بمناقشة أهمية الحد من الخمول البدني مع المرضى.
النشاط البدني العرضي.. خطوات صغيرة نحو صحة أفضل
تؤكد هذه النتائج أن الحفاظ على النشاط البدني لا يرتبط بالضرورة بممارسة التمارين الشاقة أو الذهاب إلى صالات الألعاب الرياضية، بل يمكن تحقيق جزء مهم من فوائده من خلال استغلال الفرص اليومية المتاحة للحركة.
وتوضح أماندا دالي أن النشاط البدني العرضي يمثل وسيلة عملية لاستثمار الوقت وزيادة الحركة، دون الحاجة إلى تخصيص فترات طويلة لممارسة الرياضة، مشيرة إلى أهمية اختيار أساليب بسيطة وسهلة التطبيق حتى تصبح جزءاً ثابتاً من نمط الحياة.
ومن جانبه، يرى نيكولاس كويميل أن تكرار هذه السلوكيات يساعد على تحويلها تدريجياً إلى عادات يومية تلقائية، بحيث تصبح الحركة جزءاً أساسياً من الروتين المعتاد للإنسان.
وفي النهاية، قد تكون بعض الحركات التي نؤديها دون انتباه، مثل تحريك الساقين أثناء الاجتماعات أو الوقوف لفترات قصيرة خلال العمل أو المشي أثناء المكالمات الهاتفية، أكثر أهمية لصحتنا مما نتصور، فكل فرصة للحركة تمثل خطوة إضافية نحو تقليل الخمول ودعم صحة القلب والأوعية الدموية.



